القاضي عبد الجبار الهمذاني
13
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : فما الوجه الّذي يعلم لأجله أن اتفاق جميعهم على الكذب الواحد لا يصح ، أباضطرار يعلم ذلك أم باكتساب ؟ . قيل له : لا وجه للاكتساب في ذلك ، لأنه لا دليل يتعلق به ، وإنما نعلم ذلك باضطرار ؛ وقد قال شيخنا « أبو هاشم » ما يدل على أن ذلك يعلم بالاختبار على جهة الاضطرار . وقد نص شيخنا « أبو علي » على ذلك ، لأنه بين أنه يعرف ذلك من حاله عند امتحانها باضطرار ، كما تعرف الصنائع عند الممارسة ، والضرب والقسمة عند اختبار الفرقة من جهة الاضطرار . وكما أنا في هذه الأمور إنما نرجع إلى أنه لا طريق للاكتساب فيها فكذلك ما ذكرناه . وليس كل أمر يعرف باضطرار لا يحتاج فيه إلى اختبار ، بل قد يحتاج إلى ذلك حتى تطول فيه المدة وتقصر أخرى ، فإذا عرف ذلك الواحد منا ، عرف أحوال الناس فيما يخبرون عنه ، وما يتفق منهم وما لا يتفق وجربهم في ذلك ، عرف عنده أن الجمع العظيم لا يتفق منهم « 1 » الاجتماع على الكذب ، كما لا يتفق منهم الاجتماع على تصرف واحد إذا لم يكن واحد جامع ، فأما اجتماعهم على الصدق فهو بمنزلة ما حصل فيه جامع جمعهم ، لما بيناه من اتفاقهم في العلم بحال ما أخبروا عنه ، واشتراكهم في أن لهم داعيا إلى ذلك ، لكنه لا يجب وإن اشتركوا في ذلك أن يخبر كل واحد منهم في الوقت الّذي يخبر صاحبه فيه ، لأن الداعي الجامع لا يقتضي إلا الاجتماع على أن يخبروا عما يعلمون ، دون أن يقع منهم ذلك في وقت واحد بعينه ، ومتى حصل لهم ما جمعهم « 2 » على ذلك وقع منهم لا محالة ، فقد قال شيخنا « أبو علي » : إن علمنا أنهم مع كثرتهم لا يتفق الكذب الواحد منهم كعلمنا
--> ( 1 ) في ط : « منهم » وفي ص : فيه ؛ والسياق قد يرجح منهم . ولذا آثرناها بالإثبات . ( 2 ) في « ط » : ما يجمعهم .